تسعة عشر
تمرُّ الأيامُ متسارعةً، كأنَّ كل عامٍ يطوي الذي قبله في سباقٍ مع الزمن، وتحديداً هذا العام الذي انقضى. أشعرُ بضبابيةٍ تلفُّ أحداثه؛ فبرغمِ كثرةِ ما وقع وما عاصرته الروح من تجارب، إلا أن ذاكرتي تقفُ عاجزةً عن استحضارِ التفاصيل، وكأنها تلاشت في زحامِ ما تعودتُ عليه.
على أية حال، لم يرحل هذا العام إلا وقد أوضح لي اكتشافاتٍ كبرى مع ذاتي؛ فباتت الطرق أمامي أكثرَ وضوحاً، وذهب ضبابُ الحيرة عن معالمها. كان من أغلى ما تعلمت هو "فقه المقادير"؛ أن أمنحَ كلّ ذي قدرٍ قدرَه، دونَ إفراطٍ يشوهه أو نقصٍ يفسد القلب.
مضت تلك الذكرى التي كانت تؤرقُني، وأدركتُ أنها ليست سوى أثرٍ من إنسانٍ كنتُه يوماً ولم أعدْه؛ كانت درساً استوفى غرضه وانقضى، فلا وجه لإحيائها فيما تبقى في جسدٍ جديد. وفي ذلك، بانت لي القيمةُ الحقيقيةُ للعلاقات الإنسانية؛ كيف لها أن تعيدَ هيكلةَ الوجود وتغيّر مجرى النظرة للحياة. لم يكن الأمر "غسيلاً للأدمغة" كما يتوهم البعض، بل كان ترميماً لصدوعِ الروح وملأً لفراغاتٍ كانت تسكنُ النفس وتنتظرُ مَن يعرف لغتها.
كما تيقنتُ أن الوقوفَ الطويلَ في ردهاتِ الانتظار، والامتناعَ عن اتخاذِ القرار، ليس من الحكمةِ في شيء؛ بل هو جبنٌ يتخفى خلفَ قناعِ التأني. كانت سنةً جميلةً بامتياز؛ لم أحصد فيها شيئاً مادياً يُذكر، إنما كان الربحُ في "النفس"، والفتحُ كان في استعادةِ الذات من شتاتها.
والآن، أقفُ على أعتابِ العام الجديد، يملؤني طموحٌ بأن أكونَ أكثرَ صرامةً وحزماً، متخذاً الإرادةَ والعزيمةَ سلاحاً، ومُصراً على قراري، لا يثنيني عنه إلا الرحمن الحكيم، ولو أبى مَن أبى؛ دعهم يرطمون رؤوسهم بجدران الحائط.
• المسودة المفقودة •